أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

111

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

وكذلك الحال مع حوادث كثيرة وخطيرة كان منها إعدام الشهداء الخمسة الذين يمثّلون طليعة موكب الشهداء في العراق . وأيضاً الموقف من اعتقال أو إعدام المئات من أبناء الشعب العراقي . إنّ السلطة لم تجرأ في زمن مرجعيّة الإمام الحكيم على ارتكاب هذه الجرائم لأنّ الإمام الحكيم كان لها بالمرصاد ، ليس فقط لأنّ مرجعيّته كانت مرجعيّة عامّة بل لأنّه كان يملك الشجاعة الكافية لمواجهة السلطة ، هذه الشجاعة التي كانت تجعلها تحسب له ألف حساب ، وكان بحقّ أن يعبّر السيّد الشهيد الصدر عنه ب - ( الإمام المجاهد ) لأنّه كان يقف بحسب ما تمليه عليه المسؤوليّة الشرعيّة من دون ملاحظة لأوضاعه الشخصيّة ، وكان السيّد الحكيم يعلم يقيناً أنّ أيّ مواجهة مع السلطة سوف لا تكون لصالحه شخصيّاً قطعاً ، ولكنّه مع ذلك حرص أن يبذل كلّ ما في وسعه للحفاظ على الكيان الإسلامي مهما كانت الأضرار الشخصيّة » « 1 » . بدء تحرّكه الاجتماعي ذكرنا سابقاً أنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) كان قد بدأ - سنة 1392 ه - - تحرّكه الاجتماعي من أجل إشعار الناس بوجود المرجعيّة ورعايتها إيّاهم ، فطلب من السيّد محمود الخطيب أن يدبّر له سلسلة لقاءات مع عشائر المنطقة . وبعد تنسيق السيّد الخطيب مع بعض معارفه ، قام السيّد الصدر ( رحمة الله ) بزيارته الأولى في شهر رمضان / 1392 ه - ( تشرين الأوّل - الثاني / 1972 م ) إلى عشيرة ( أبو گلل ) . وقد تمّ استقباله استقبالًا حاشداً ، وبادلهم السيّد الصدر ( رحمة الله ) هذه المشاعر . وفي الليلة الثانية قام بزيارة ( آل دوش ) الذين استقبلوه كذلك بحفاوة ، وبعد ذلك بأيّام قام بزيارة ( آل بو سيّد سلمان ) في ديوانهم في الحويش . ثمّ زار ( آل بو غنيم ) وغيرهم من البيوتات . وبعد شهر رمضان المبارك ، قامت هذه العشائر بردّ زيارة السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، فتوافدوا عليه في منزله في أوقات مختلفة معبّرين عن مشاعرهم . وقد شكّلت هذه الزيارات حدثاً جديداً في النجف الأشرف ، وطار خبرها في الأرجاء ، حتّى أنّ الشيخ محمّد جواد مغنية ( رحمة الله ) أثنى على هذه الخطوة كثير الثناء . وبعد ذلك بخمس سنوات ( سنة 1977 م ) طلب السيّد الصدر ( رحمة الله ) من السيّد محمود الخطيب إقامة مجلس تعزية في داره ليرى مدى تجاوب الناس مع دعوته . فأقام السيّد الخطيب مجلس تعزية اعتلى منبره السيّد جواد شبّر ( رحمة الله ) ، وقد حضره السيّد الصدر ( رحمة الله ) والسيّد محمود الهاشمي وآل الحكيم والشاهرودي وبحر العلوم ومختلف الشخصيّات العلميّة من النجف الأشرف والديوانيّة والشاميّة والكوفة وكربلاء والكوت . وكان الحضور حاشداً جدّاً لدرجة أنّ السيّد جواد شبّر ( رحمة الله ) عندما اعتلى المنبر قال : « إنّ هذا المجلس أكبر مجلس حضرته منذ اعتليت المنبر » ، وأضاف : « إنّ هذا المجلس جمع المتناقضات ، لا أدري كيف اجتمع فيه كلّ هؤلاء . . ترى ما السرُّ في ذلك ؟ ! » . وكان مقرّراً أن يستمرّ المجلس ثلاثة أيّام ، إلّا أنّ معاون الاستعلامات بلّغ السيّد الخطيب بقرار

--> ( 1 ) شهيد الأمّة وشاهدها 255 : 1 - 257 . والأسباب التي ذكرها الشيخ النعماني ، منها ما يرجع إلى هذه الفترة ، ومنها ما يرجع إلى الفترات اللاحقة .